مهدي سلمان: صراع الشعر مع الأفكار والمشاعر من أهم سمات الكتابة المسرحية

 

مهدي سلمان: صراع الشعر مع الأفكار والمشاعر من أهم سمات الكتابة المسرحية
الشاعر البحريني يرى أن مفهوم الجوائز يعاني خللاً فادحاً


الحوار على جريدة الشرق الأوسط 


القاهرة: رشا أحمد

نُشر: 15:55-26 أغسطس 2024 م ـ 20 صفَر 1446 هـ


استطاع الشاعر البحريني مهدي سلمان أن يترك بصمة بارزة على خريطة الشعر في بلاده عبر عدد من دواوينه الشعرية التي تتميز بتراكيب بصرية جريئة ولغة مشحونة برؤى جديدة. صدر ديوانه الأول «ها هنا جمرة وطن، أرخبيل»، 2007، لتتوالى بعده أعماله التي لفتت الأنظار لموهبته الكبيرة؛ مثل «السماء تنظف منديلها البرتقالي»، و«لن أقول شيئاً هذه المرة»، و«لا شيء يحدث ولا حتى القصيدة».

ومن الشعر تمتد تجربته الإبداعية إلى المسرح بقوة، حيث شارك ممثلاً في نحو 20 مسرحية؛ منها «اللعبة»، و«المستنقع»، و«الوهم»، كما أخرج مسرحيتي «مكان ما»، و«التركة»، وحصد جوائز مرموقة في المهرجانات الفنية المتخصصة... هنا حوار معه حول تجربته وهمومه الأدبية:

* لنبدأ بثنائية الشعر والمسرح في تجربتك، فالقصيدة، على الأقل في تصور العامة، فن ذهني ساكن، في حين أن المسرحية فن بصري حركي... هل ثمة تناقض بين النوعين؟

-هنالك بالتأكيد اختلافات بين كتابة القصيدة وكتابة المسرحية، لكن هذا الاختلاف لا يرقى ليكون تناقضاً، إن الأجناس الأدبية اليوم تستقي من بعضها، وتتجاور بكل هدوء، فيأخذ الشعر الحالة الدرامية من المسرح، ويأخذ المسرح الحالة التأملية الرائية من الشعر، وتنهل الرواية والقصة من مظاهر هذا وذاك. وعموماً لم يكن الشعر يوماً فناً ساكناً، على الرغم من كونه ذهنياً، فلطالما احتوى الشعر على صراع عنيف بين الأفكار والمشاعر، وهذا الصراع أهم سمات المسرحية. وكذلك لم تكن المسرحية دائماً فناً حركياً، فلقد استخدم كتّاب المسرح في كثير من تجاربهم طرق وأساليب التأمل الشعري لإنتاج الحدث. فعل ذلك كتّاب مسرح العبث؛ مثل يونسكو، وبيكيت، وكذلك تجارب توفيق الحكيم المسرحية الذهنية، وقبلهم استغل كتاب المسرح الكلاسيكي الحوار الداخلي والمناجاة من أجل الاقتراب من روح الشعر في المسرح.

* أيهما أسبق في إثارة ولعك ووجدانك، القصيدة أم المسرحية، وكيف أثرت إحداهما على الأخرى من واقع تجربتك؟

- لا أتذكر بالتحديد أسبقية شكل على آخر، لقد كان الشكلان ينموان معاً في تجربتي، ويتبادلان الأهمية والتأثير، وكذلك يتساقيان الفهم من التجارب المختلفة. ولطالما كان الشعر قريباً من المسرح والمسرح قريباً من الشعر، منذ سوفوكليس حتى شكسبير. ولطالما كانت الكتابة لأحدهما تغترف من تقنيات الشكل الآخر، ومن أدواته وإمكاناته، ليس على مستوى الممارسة في الكتابة فقط، إنما كذلك في آلية تحليل وتفسير وتقليب الأفكار والعواطف والقضايا، لا يمكن للكاتب أن يقول أين يكمن هذا التأثير، وكيف، لكنني أومن أنه موجود في الكتابة للشكلين، وفي التمثيل والإلقاء على السواء.

* لنتحدث قليلاً عن فكرة «الجمهور» فهي حاضرة بقوة أمامك بصفتك ممثلاً يصعد إلى خشبة المسرح، لكن كيف تتمثلها بصفتك شاعراً؟

* لو سألتِ أي ممثل على المسرح كيف ترى الجمهور، لقال لك إنه لا يراه، حضور الجمهور في المسرح هو حضور فكرة، فحين تظلم القاعة، ويصعد الممثل على الخشبة لا يرى أمامه إلا الظلمة التي فيها ومن خلالها يدخل ويخرج من وإلى الشخصية، أظن فكرة الجمهور في الكتابة تشبه هذا، ظلمة لا تتبينها، لكنها أمامك، تدخل نحوها شخصاً، وما إن تخطو فيها حتى تصير شخصاً آخر.

* ماذا عن موضوع «التطهر» بوصفه وظيفة قديمة في التراجيديا الإغريقية... هل يمكن أن تصنع قصيدة النثر حالياً حالة شبيهة وتخرج الانفعالات المكبوتة داخل القارئ، لا سيما الخوف والشفقة؟

- بقدر الخلاف على معنى محدد لمفهوم مصطلح التطهر أو التنفيس، لا يمكن القطع بإمكانية شكل ما شعري أو سواه في حيازة نتاج هذا المفهوم، فهو موجود في جميع الأشكال - الشعرية وغيرها - كما في المسرح، بنسب مختلفة. إنه جزء من صنع الفن، طالما أن الفن جزء منه يخاطب العقل والقلب والمشاعر والأفكار الإنسانية، فهو فعل تطهّر أو تطهير، وكذلك في المقابل هو فعل تلويث كذلك، أو فلنقل هو فتح للجروح المختلفة، لكن في كل ذلك، هو نتاج الفاعل لا الفعل نفسه، الشاعر لا شكل القصيدة، الكاتب المسرحي، لا نوع المسرحية.

وبقدر ما يبحث الشاعر أو المسرحي أعمق، ويقطع أكثر، بقدر ما يطهّر، نفسه، قارئه، شخصياته، أو أفكاره وعواطفه، وهو في كل ذلك ليس فعلاً قصدياً دائماً، إنما هو نتاج إما لشخصية الكاتب، أو للظروف المحيطة به، لذلك فهو يظهر في فترات تاريخية بعينها بشكل أوضح وأجلى، وقد يخبو في فترات أخرى، تبعاً لقدرة المجتمعات على فتح جروحها، أو على الأقل استقبال هذا النوع والشكل من الفعل الفني.

* على مدار أكثر من نصف قرن، لم تحصد أي جائزة أو تنال تكريماً بصفتك شاعراً، لكنك في المقابل حصدت عدداً من الجوائز والتكريمات بصفتك ممثلاً مسرحياً... كيف ترى تلك المفارقة؟

- يعود ذلك إلى مفهوم الجائزة فيما بين الشكلين، والخلل الكبير في شكل الجوائز الأدبية في عالمنا العربي، الجوائز لا ينبغي أن تُطلب، إنما تُعطى نتيجة لفعل ما أو جهد ما، هذا يحدث في المسرح الذي هو عمل جماعي، فالمؤسسة القائمة على المسرحية هي التي تتقدّم لمهرجان ما، أو جائزة ما. وعندها يحصد ممثل أو كاتب أو مخرج جائزة على جهده في هذا العمل بعينه، فيما على الكاتب أن يتقدّم بنفسه لطلب جائزة أو تكريم لديوان أو قصيدة، وهذا خلل بيّن في ضبط مصطلح جائزة، أو تكريم، أو حتى مسابقة. الأجدى أن تكون هناك مؤسسات، إما دور النشر، أو الوكالات الأدبية، هي التي تمحّص أعمال الكتّاب، وتنتقي منها ما يتقدّم للجائزة، أو المسابقة، وذلك من أجل ضبط عملية خلق المعايير في الساحة الأدبية، لكن وبما أننا في بيئة فاقدة للمعايير، فالتقدّم للجوائز الأدبية، يرافقه في أوقات كثيرة تشويه لدور الكاتب أو الشاعر، أين يبدأ وأين ينتهي.

* تقول في ديوانك «أخطاء بسيطة»:
«كل الذين لمست أصابعهم في الطريق
تماثيل شمع غدوا
كل من نمت في حضنهم خبتوا
واختفوا».
من أين يأتي كل هذا الإحساس العارم بالعدمية والخواء، وكأن الحميمية تعويذة ملعونة تلقيها الذات الشاعرة على الآخرين؟

- لا يمكن اقتطاع أبيات شعرية لتشكل معنى عاماً في تجربة ما، بالتأكيد هنالك عدمية تظهر أحياناً في أحد النصوص، لكنْ في مقابلها معان أخرى، قد تناقضها. الشعر فعل مستمر، تحليل دائم، وتدفق في مشاعر قد تكون متناقضة بقدر اختلاف أزمان الكتابة أو أزمان التجارب، لكن إن كنا نناقش هذه التجربة خاصة، هذا المقطع من هذا النص تحديداً، عندها فقط يمكننا أن نسأل، بالتأكيد ثمة لحظات في حياتنا نشعر خلالها بالانهزام، بالعدمية، بالوحشة، ونعبّر عن تلك اللحظات، ومن بينها تلك اللحظة في النص. ويأتي هذا الشعور بالتأكيد من الخسران، من شعور مغرق في الوحدة، وفقدان قدرة التواصل مع آخرين، إنها لحظات تنتابنا جميعاً، ليست دائمة، لكن التعبير عنها يشكّلها، بحيث نكون قادرين على مساءلتها، واختبارها، وهذا هو دور الشعر، لا البحث عن السائد، إنما وضع الإصبع وتمريره بحثاً عن النتوءات أو الحفر، لوصفها، لفهم كيف تحدث، وماذا تُحدِث.

* ينطوي عنوان ديوانك «غفوت بطمأنينة المهزوم» على مفارقة تبعث على الأسى، فهل أصبحت الهزيمة مدعاة للطمأنينة؟

- الهزيمة في معناها العام ليست فعلاً سلبياً دائماً، إنها التراجع كذلك، أو فلنقل العلوّ، رؤية المشهد بشكل آخر، من أعلى كما أراها، خلافاً للمنهمك فيه والداخل فيه. لذلك فإن الطمأنينة التي ترافق هزيمة كهذه هي طمأنينة المتأمل، أن تخرج من ذاتك أو تنهزم منها، لتحاول أن تجد طمأنينة ملاحظتها، والبحث فيها، وفهمها. أن تنهزم من تجربة ما وتتراجع عنها، لتجد لأسئلتها أجوبة، وأن يرافق هذا البحث طمأنينة الخروج والمغادرة، حتى لو كانت هذه المغادرة وقتية وليست تامة.

* في ديوان آخر هو «موت نائم، قصيدة مستيقظة»، هل أصبح الشعر المقابل الفعلي للموت؟

- ليس مقابلاً، إنما معطى آخر، ليس نقيضاً أو معاكساً، بل هو رفيق وصاحب يفعلان أفعالاً عكسية للتوافق والتوازن، وليست للمناكفة والمعاداة. تستيقظ القصيدة، لا لتلغي الموت، أو تنهيه، إذ لا يمكن إنهاء الموت، أو إماتته، لأن في موت الموت موت للحياة كذلك. لكنها تستيقظ في اللحظات التي يقف فيها في الخلف، تستيقظ لأجل أن ترى، وتبصر، وتصنع، وتحاول أن تتكامل معه من أجل الخلق نفسه، والولادة نفسها.

* كيف ترى الرأي القائل إن قصيدة النثر التي يكتبها غالبية أبناء جيلك استنفدت إمكاناتها الجمالية والفكرية، ولم تعد قادرة على تقديم الجديد؟

- ثمة تراجع حالياً نحو القصيدة العمودية، إنه واضح تماماً، أبناء جيلي والأجيال التالية، يعودون نحو روح العمود، حتى لدى كتاب قصيدة النثر، حيث الكتابة بوصفها فعلاً ليست فعل بحث واكتشاف إنما فعل إدهاش وتعال. لا، ليست القصيدة هي التي استنفدت إمكاناتها، بل كتاب القصيدة وشعراؤها هم الذين استنفدوا طاقتهم على المواجهة، الكتاب الآن يبحثون عن (صرة الدنانير) التي كان الخلفاء يلقون بها على شعراء المديح، هذا فقط تغيّر في روح الكتّاب، لا روح الكتابة نفسها.

* أخيراً، كيف تنظر إلى ما يقال عن تراجع تأثير الشعر في المشهد الثقافي مؤخراً وعدم ترحيب الناشرين بطباعة مزيد من الدواوين؟

- هذه حقيقة، وهي جزء من الأزمة ذاتها، التحوّل نحو الشكل العمودي من جانب، والنكوص نحو الذاتية المستنسخة من جانب آخر. تحوّل في فهم روح العصر، يأس من فعل الكتابة بوصفه عامل تفسير وتحليل وتفكيك وتغيير، تطويع الشعر ليعود إلى أدواره السابقة، فيكون صوت السائد الذي يُصفّق له. الشعر الآن في أي شكل من أشكاله، انعكاس للوجوه المتشابهة التي خضعت لعمليات التجميل التي نراها حولنا، هذا هو العصر، وأنت لا تريد تغييره، أو محاولة تغييره، أنت تريد الخضوع له وحسب. هذا هو ما يحدث.




الشاعر البحرينى مهدى سلمان فى «صيحة البابلى»: العالم مقبل على لحظة وعى ستغير من النظر إلى الفن

 


 

 

حوار: حسين الجفال

الإثنين، 15 ديسمبر 2025 - 08:24 م

مهدي سلمان الذي يُصر أن« الخراب هو سيد الكون» ينطلق في قصيدته بؤس الشاعر إلى استشراف أبعاده الأخرى في «صيحة البابلي» الذي تأمل قبل أن يقرأ و كتب أسطورته على سبيل المحاولة لتقديم ذات مغايرة ربما تعيش حياة موازية خارج النص؛ لذلك لا يُعوّل على النقد ليس لعدم ثقته بالنظريات لكن إذا لم يحضر الناقد بروحه قبل معاوله لترميم البناء اللغوي فلا قيمة لإصراره على الهدم حيث سيكون عاجزا عن إعادة تشكيل جماليات الشاعر مع كل رهاناته على إنجاز نص ملحمي يستغرق منه زمنا طويلا إلا أن ذائقة المتلقي تسمو بأجنحتها في فضاءاته حتى لو كانت قصيرة المدى، يكفى أن يغربل الرماد، حتى لو لم يخرج طائر الفينيق هناك ألف أسطورة تتداعى وراء النص و على القارئ أن يستعد لاختطافها … معه لا مع غيره تمتد المعركة بانتصاراتها وهزائمها كما يقول.

مهدي سلمان الشاعر والمسرحي الذي يعمل في المجال الثقافي مع الأصدقاء والمهتمين، عمل بالمسرح والسينما، له اكثر من عشرة دواوين منها: «هاهنا جمرة، وطن، ارخبيل»، الذي حاز على جائزة التميز في الشعر من وزارة الإعلام البحرينية، «السكك، البصارة»، « السماء تنظف منديلها البرتقالي»، «أخطاء بسيطة»، «غفوت بطمأنينة المهزوم» وغيرها .

يعد سلمان من أهم التجارب الشعرية في البحرين والخليج، كتب  ومثل وأخرج العديد من المسرحيات وقدم الكثير من الورش في هذا المضمار وها نحن نحاوره في الديوان الذي صدر مؤخرا ووقعه في معرض الكويت الدولي للكتاب قبل أيام.

«صيحة البابلى» تأتى محملة بإرث الإنسان وحمله الذى ترسب فيه، ما الجدوى من الصيحة بعد انهيار الجسد؟

- لا يبحث الشعر عن الجدوى المباشرة، إنه يقرأ القيامة نفسها، وكأنه يراهن على أن الجسد، يمكن له التشكّل بعد البعث، أو على الأقل على أن قراءة القيامة، تقرير أخير للبابلي، استخلاص للتجربة تقدّم للفراغ أو للعدم، لا يهم، لكن إن شئت، يمكن فى الوقت ذاته، الشعور الطفيف، بأن الصيحة التى تقدّم فى صورة انهيار، هى بداية جديدة لنا ليستطيع أحدنا أن يفهم الآخر، ويستوعب ما يقوله، هى بداية للغة مختلفة، ليست قائمة على الحروف والمفردات، بل ترتكز على الحواس الأخرى للإنسان، تلك التى أهملها حين وجد نفسه قادرا على (الكذب) الذى وفّرته له اللغة، اختار الإنسان الكذب فى البداية، لكنه بعد ذلك صار قرين اللغة، الكذب هنا، يمكنه أن يكون تحريفا، إخفاءً، تغافلا، أو بلبلةً، لقد أعطتنا اللغة فرصة التحديد، لكنها سلبت منا طاقة التجريد على اختزال المشاعر، الأفكار، الهواجس، الحدس.

ربما يكون انهيار الجسد الذى يشير إليه السؤال، انهيارا للبناء اللغوى الراهن للإنسان، وبالتالي، فهو سبيل جديدة لبناء آخر من اللغة، بناء لا يحوّل المخاوف، القلق، الحذر، إلى كلمات ذات شكل، وبالتالى ذات طبيعة مادية صرفة تتطلب القيام بفعل نابع منها، يقود نحو التوحّش، بهذه الدوافع، ابتكر الإنسان اللغة فى محاولة لتفسير شيء لا يفسّر، والاقتراح الآن هو لغة أخرى، تدع مجالا لهذا الأمر غير القابل للتفسير لأن يأخذ شكله التجريدي، دون عبء شرحه، دون عبء القيام بفعل فى مواجهته، كأن نكتفى بالنظر إليه، والشعور به، دون تحديد ماهيته.

الكثير من الصور ترسم نفسها ونحن نقرأ «صيحة البابلي» هل كتبتها للمسرح، أم هى قراءة لمسرح الحياة الذى نعيش؟!

 الكتابة فى مجموعة مثل هذه صعبة، خصوصا على شخص مثلي، إذ كيف يمكن لكائنٍ شغلته المادة -بصرية كانت أو سمعية- أن يفكر فى المجرّد، عليه أن يخوض التجربة بكل تفاصيلها، وبكل تناقضاتها، وبكل إرباكاتها، هنا يمكن أن تكون مادتى فى التفكير هذا، هى الاقتراب من الصورة، الصورة الجامدة، أو المتحركة، اللوحة أو المسرح، الحياة التى نعيشها أو تصوّراتنا عنها، وربما أضيف كذلك للسؤال، القراءة باعتبارها معادل آخر للحياة وللمسرح، أى للوجود وللفن الذى يعبّر عنه، للتاريخ، ولترميزاته فى الحياة الآن، أنا أختار الصور بكل أشكالها التى ذكرتُها، لأنها وسيلتى الوحيدة للإشارة إلى ما أودّ شرحه، ولأن المجموعة التى تحاول أن تقول إنها تقترح لغة خارج سياق المفردات، رغم أنها لا تعرف ما هي، لغة لا تعتمد على الشرح، أو التفسير، بل تعوّضه بالصمت، أو تعوّضه بالنظر والتحديق، والثقة، فقد تكون الصورة البعيدة، وكذلك الصوت المطلق، هما أقرب ما أخذنى إليه حدسى للتعبير عن ذلك.

«صيحة البابلى» تعيد استخدام الرمز والقص بعد غياب الرمز فى النص العربى (عند الشباب) إلى اى حد ممكن أن يكون الرمز ضرورة شعرية فى زمن اشتد فيه الوضوح؟!

- لا أظن الرمز يمكن أن يختفى طالما هنالك فن، إنه يتخفى فقط، ويأخذ أشكالا أخرى قد يكون رصدها عسيرا، يجرّب الشعراء الشباب اليوم فى الرمز، بطرق أخرى، قد لا يستطيعها الجيل الأكبر، وقد لا يستطيبها، لكنها حاضرة وخاضعة لتجريب مختلف، فهى رموز فى نقاط محددة من المعطيات سواء كانت أساطير أو حوادث تاريخية، رموز لا يهمها أن تذكر معادِلاتها، ولا أن تحدد مصادرها، وقد يكون الشاعر نفسه لا يُدرك من أين استقاها، ولا يعنيه، لأنه يذهب لأبعد من وضعها فى إطار الرمز والمرموز والمرموز إليه، بل يلعب بمجموعة منها، يأخذ قطعة من هنا وهناك، هذا عمل جديد فى الرمز، لأنه يجعل فعل الترميز نفسه رمزا لأمر ما، لذلك قد تبدو القصيدة التى تُقرأ، يومية، عادية، واضحة أو غامضة، لكنها لدى التعمق فى قراءتها، استحضار مختلف لمفهوم الرمز.

أعتقد أن تطوّر القراءة، والكتابة واتساعها، واتساع فعل الشعرنة، ومفهومه، هو ما أحدث هذه القفزة فى تناول المفاهيم النقدية السائدة فى النصوص الجديدة، وهى قفزة تحتاج إلى قراءات لإدراك آليات عملها، وأظن أننى فى هذا النص، حاولتُ الاقتراب من هذا الفهم المختلف لفكرة الرمز، وكذلك لفكرة القص، لكنى اشتغلتها بالطريقة القديمة، لهذا سيكون واضحا للقارئ، أننى أذكر بابل، أذكر، القيامة، أذكر الشخوص والحوادث فى أساطير أو أزمنة، لكنه فى المقابل، لن يُخضعها لجدول المعادِلات السابقة، بل ربما يضع لها جدولا جديدا، تتجمع فيه هذه الرموز نسبة إلى ما تثيره لا إلى ما تنبئ عنه.

لماذا بابل دون المدن، ولماذا الشفاه / الصمت؛ أهى صرخة الكون/ الإنسان الأزلية؟!

 بابل كانت الباب الأول، الفاصل بين الإنسان القادر على فهم نفسه، وبين فكرة الوحى الغيبية، إنها مدخل فهمنا للغة، وفهمنا لعلاقة اللغة بفكرة الفطرة، وفكرة العبادة، أو الخضوع، بالإرادة أو الاختيار، الفكرة فى المرويات القديمة، وكذلك فى النصوص التالية التى تناولتها، ومنها النصوص الشعرية، غنية جدا، لأنها تنفتح على اللحظة الفارقة بين القول واللغو، وربما أكون انطلقت من فكرة مختلفة، حيث بابل التى عرفت اللغة لديّ، ليست بابل التى نطقت، بل التى صمتت، واللحظة التى شقّ فيها فم الإنسان، وأعطى اللسان، هى اللحظة التى انهارت فيها بابل، لا العكس، لذلك تحضر الشفاه فى النص كمعادل للغو، كمعادل للقول الذى لا ينتج معنى، وكذلك للقول الذى يؤسس فكرة الشر، وهنا يمكن العودة لفكرة كيف دفعت مشاعر مثل الخوف، القلق الغامض، الإنسان إلى ارتكاب أفعال، كل ما يقصده منها كان التعبير عن خوفه هذا، بلغة لم تكن مهيئة لشرح مثل هذه المشاعر.

يا طريق/ ما الذى سوف تفضى إليه؟ يا طريق تعبنا. إلى أين وجهتك والخراب سيد الكون يا سلمان؟!

 لستُ سوى خلية بسيطة فى جسدٍ عملاق، لا أقرّر مصير هذا الكون، ولا أحدّد وجهته، لكن كل ما أقوم به، مهما كان بسيطا، له دور فيما إن كان الخراب هو سيد الكون أم لا، وذلك عزائي.

يقول بعض النقاد بأن الشعر وليد الانتصار وأن الرواية بنت الهزائم؛ هل أنت مع هذا القول أم لك رأى آخر؟

 إطلالة بسيطة على ما هو موجود اليوم، تكشف أن هذه عبارة سطحية، لا تأخذ بعين الاعتبار، أن الشعر كان حاضرا فى الهزائم كما حضوره فى الانتصارات، وأن الرواية كذلك، حاضرة فى الحالين، الشعر والرواية والمسرح، الفنون بعمومها، هى ابنة الوعي، وغياب الوعي، هو الذى يجعلها تتدهور، والذى ينظر لحال الفنون فى العالم اليوم، يدرك تراجع الوعي، أو تذبذبه على الأقل، تظهر الفنون بقوة، حين يعى إنسان عصر ما مشكلاته فى الحياة ومعها، حين يعى إشكالية علاقته بالوجود، ويناقش ذلك، وتتضافر الفنون مع بعضها، حين يزيد الوعى الجمعي، وتنفلت عن بعضها، وتتقطع الطرق فيما بينها كلما قلّ هذا الوعى الجمعي.

لا أظن أن ثمة اليوم انتصارات حقيقية أو هزائم حقيقية، إننا فى لحظة تاريخية، تمتد فيها المعركة بأشكالها المختلفة منذ سنوات، وامتداد المعركة، يعنى أن لا حسم هناك، لكن بالتأكيد هنالك لحظات وعى مقبلة على العالم، وذلك ما أحسبه سيغيّر من النظر إلى الفنون فى القريب، أظنه يتشكّل على مهل، لكنى لا أحسم اكتماله.

إلى اين يأخذك الدرب، باب موصد أم نافذة تطل على حدائق معلقة؟!

 هنا وهناك، فى الباب الموصد قد توجد نافذة، والنوافذ المطلة على الحدائق، قد تفضى إلى أبواب مغلقة، إننا نواجه الحياة ونعيشها ونفكر فيها ونراقبها، وذلك فعل (حدائقي)، حي، نابت، ولكننا فى الوقت ذاته، ننغمس فى أحيان أخرى، نهمل، نخمل، وذلك فعل موصد، أنت توقظنى بهذه الأسئلة، وأنا أفتح لك نافذة بالإجابات، وربما يمرّ قارئ ما عليها، فتخضرّ أجابات مهملة على ورقة، وتنمو لها أغصان، ذلك فعل الحياة، ذلك تشابكها.

«صيحة البابلى» عمل ملحمى طويل فى زمن يهرب القراء للنص القصير ؛ ألا تعد هذه مغامرة محفوفة المخاطر؟

 القارئ القارئ لا يهرب فى مواجهة النص الطويل، أو النص الشعرى الطويل، إن أردنا أن نكون أكثر تحديدا، بل يدفعه ويندفع باتجاهه، لكن ما يحدد عمق فعل القراءة، ليس طول النص أو قصره، بل قدرة هذا النص على أن يأخذ القارئ نحو المساحات التى يشتبك فيها مع أفكاره حول الحياة، الفكرة فى أن النص هو نقطة التقاء بين طرفين، شاعر كتب النص، وقارئ يلتحم به، وفى وقت مثل الذى نحن فيه، كتابة القصيدة قد تكون مغامرة، إن كانت تبحث عن قارئها فى غير عوالمها، وكتابة القصيدة الطويلة، بهذا المعنى، ليست إلا إيغال فى مغامرة فاسدة من الأساس، لكن إن وجد النص قارئه، فلا مغامرة هنالك، إن كانت المغامرة تعنى الإهمال، لكن إن كانت تعنى الاشتباك، فالقصيدة تبدأ مغامرتها حين تُقرأ.

قدمت هذا العمل فى أمسيات متعددة الاماكن والبلاد، كيف وجدت تلقى النص جماهيريا؟

 «صيحة البابلى» ليس نصا جماهيريا، إنه نص يُقرأ للتأمل، والتفكير، للتعليق أو التعالق، لكنى أجد أن الاجتهاد فى تقديم الشعر بالعودة إلى جذوره المسرحية، بشكل يقترب من المسرح، فعلٌ فنى آخر، يضيف إلى النص الشعري، نحن اليوم بحاجة إلى تماس الفنون، بحاجة إلى تقديم الشعر فى شكل مسرحي، يمكن أن يصحب بالفنون التشكيلية، والموسيقى، هذا الفعل يثرى العمل الفني، ويثرى العلاقة بين الجمهور والمبدع، وبالعودة إلى سؤالك حول الأشكال الفنية، فإن عزل شكل ما عن الآخر، هو دلالة على عجز فى الوعي، وتعالق هذه الأشكال، اشتباكها، نقاشها داخل الأطر الفنية، يؤكد على هذا الوعي، ينميه، ليس فقط عند مبدع العمل، بل أكثر عند متلقيه، التلقى الجيد الذى حظيت به أمسيات «صيحة البابلي» كانت تعبيرا من هذا الجمهور عن فهمها لإشكالية الجزر المعزولة التى تجد الفنون نفسها فيها اليوم.

مهدى سلمان وأعماله لم تجد عناية نقدية على مستوى البحرين والخليج؛ إلى أى حد هذا الكلام صحيح؟ وهل تجد توقف النقاد بمنجزك يفيدك؟

 ليس هنالك عناية نقدية، لا لنصوصى ولا لنصوص سواي، منذ بداية الألفية، والجميع يتحدث عن غياب النقد، وتحوّل النقد الجاد إلى النقد الثقافى، وتحوّل النقد الأدبى إلى القراءات والمطالعة، وقد يكون هذا طبيعيا، بالنظر إلى أن المشروع الأدبى الجامع الذى يجعل المسارات النقدية تشتبك بالشعرى والسردي، غير موجودة، فى مقابل، انفتاح مساحات الاشتغال فى النقد الثقافى، وكما قلنا عن الوعى الجمعى الذى يجعل القارئ (العام) ينخرط فى مشروع ما، يحدث هنا، إن لم يكن هنالك مشروع عام، فلن يكون هنالك نقد، وحتى النقد الذى يتناول تجربة ما بشكل منقطع عن كونها مشروع ممتد، لن يكون غير مطالعة، أو قراءة عابرة.

ليس مهما منجزى أو منجز سواي، بقدر ما هو مهم أن يكون هنالك نقد أدبى حقيقي، قادر على أن يكون حاضرا حتى فى حال الخذلان الشعري، إن وظيفة النقد الأدبى الأولى، هى التنبيه إلى الغياب، والنقص، سواء فى مشروع الفرد، أو فى المشروع الجمعي، وغياب النقد نفسه، هو إشارة إلى هذا الغياب والنقص، ليس فى جسد الأشكال الأدبية، إنما فى جسد الحالة الثقافية بعمومها، فليس من علامات صحة ثقافة أمة، أن تكون قادرة على تشريح نكت المقاهي، وتعجز عن تشريح أدبها.



مهدي سلمان: «صيحة البابلي» المعاصر

 



قراءة في ديوان (صيحة البابلي) نُشرت في جريدة الأخبار اللبنانية: 



تهاني فجر

السبت 4 تشرين اول 2025


يضع كتاب «صيحة البابلي» (منشورات تكوين ــ الكويت) للشاعر البحريني مهدي سلمان قارئه مباشرة في مواجهة تجربة شعرية صعبة المراس، تجربة لا تُقرأ على عجل، ولا تُختصر في انطباع سريع، بل تحتاج إلى غوص وتأمّل طويل.

يبدو النصّ كصرخة كونية مفتوحة تتردّد في أفق خراب الإنسان واللغة والوجود، حيث تتداخل القيامة بالمنفى، والحياة بالموت، واللغة بالصمت.

ما يقدمه سلمان هنا ليس قصيدة مطوّلة فقط، بل مشروع شعري متكامل يسائل جذور القول وجدوى الكلمة. يقول: «أهذه إذن القيامةُ؟ أم بدايتُها؟ أم الريحُ التي تسفو عليها، أم حريقٌ طارئٌ فيها، وما فيها وما فينا بها إلا الحريقُ».

منذ البداية، يدخل الشاعر في حوار مباشر مع فكرة القيامة. لكنها ليست قيامة لاهوتية صافية، بل قيامة مجازية تعكس انهيار الإنسان أمام العدم.

يتساءل القارئ مع النص: هل النهاية بداية؟ هل الخراب هو عين الانبعاث؟ هذا السؤال الجوهري الذي يتكرر في مقاطع مختلفة، ليصير محور التجربة كلها، كأنّ القصيدة تتحرك على إيقاع دائري يُعيدنا دوماً إلى نقطة الصفر، إلى السؤال ذاته الذي لا جواب له. في مقطع آخر، يكتب: «في النهاية ليس هنالك إلا البداية، تتكرر دون ختام».

بابل ـــ كما يستحضرها سلمان ــ هي رمز كثيف، مزدوج الدلالة. هي المدينة التي انهارت فيها اللغة وتبلبلت فيها الألسنة، لكنها أيضاً صورة عن حاضر الإنسان الممزق بين صراعاته وهشاشته.

يوجّه الشاعر خطابه إلى بابل كأنها مرآة، يستنطقها، يحاورها، يتهمها أحياناً، ويطلب منها الخلاص في أحيان أخرى. وهنا يظهر البُعد الرمزي العميق للنص: بابل ليست مكاناً أسطورياً فقط، بل استعارة عن الوجود البشري كله، بما فيه من خراب وحنين وأوهام خلود. يقول: «يا بابلُ انتظري المسافةَ كي ترنّ كأنها قدحٌ من البلّور… بابلُ، حدّقي، النسيانُ عينٌ من زجاجٍ، فتّتيها عند خوف الربِّ».

اللغة في هذا الكتاب ليست وسيلة للتعبير فقط، بل موضوع قائم بذاته. الكلمات تتفتت، الشفاه تتكلم وحدها، الأصوات تتناسل وتتصادم. اللغة تصبح كياناً مادّياً يحيا ويموت، ينهار ويتشظى. هذا الاشتغال المكثف على اللغة يجعل القارئ يشعر أنه لا يقرأ شعراً بالمعنى التقليدي، بل يدخل في تجربة فكرية عن حدود اللغة ومعناها.

ثمة شعور دائم بأن الكلام نفسه قد صار كارثة أخرى، وأن الصمت قد يكون الوجه الآخر للقصيدة. يكتب سلمان: «لا شأن للمعنى بتفسير الكلام، لم نبتكر لغةً، فلا تخسف بنا يا ربّ، إن كلامنا أن لا نقول».

التجربة القرائية هنا مرهقة عمداً. النص طويل، متشعب، يكرر الصور والأصوات، كأن القارئ مدعو إلى طقس شعائري يتطلب منه الانخطاف والإنهاك معاً. الصور التي تستحضرها القصيدة ـ النار، الرماد، المطر، الصدى، الشفاه ـ ليست محض استعارات، بل أدوات لبناء عالم شعري خانق، يذكّر القارئ بمخاوفه العميقة: الخوف من العدم، من ضياع المعنى، من استحالة النطق في عالم مفكك. «بيدر واسعٌ وسواد، بيدرٌ من رماد، بيدرٌ عجزك الآن»... صورة تختزل هذا المناخ الكثيف.

ورغم الطول والامتداد، ثمة بناء درامي واضح: يبدأ النص بدهشة أمام الخراب، ثم يتصاعد عبر حوارات مع الريح وبابل واللغة، وصولاً إلى الانفجار الكبير في صيحة البابلي. هذه الحركة تمنح النص طابعاً مسرحياً داخلياً، كأنّنا أمام متوالية من المشاهد التي تنسج في النهاية رؤيةً واحدة: القيامة ليست لحظة محددة، بل صيرورة دائمة من الانهيار وإعادة البناء.

البُعد الفلسفي في النص لا يقل حضوراً عن البُعد الشعري. فالتأمل في الزمن، في المصادفة، في جدوى اللغة، وفي العلاقة بين المعنى واللامعنى، يكشف أنّ الشاعر لا يكتب قصيدة فقط، بل يُقيم حواراً مع الفكر نفسه. هنا يتقاطع النص مع أسئلة فلسفية كبرى، لكنه يظل وفياً لخصوصية الشعر: الغموض، الانخطاف، الانفعال. الشعر عند سلمان ليس تجميلاً للعالم، بل مواجهة معه، مواجهة قد تكون عنيفة، لكنها تظل صادقة.

«لا شيء لي، وليس لديه سوى الشك في كل شيء»، عبارة تلخّص هذه الروح الفلسفية القلقة. يجد القارئ نفسه في قلب هذا الصراع. لا يخرج من النص بطمأنينة، بل بارتباك أكبر.

يشعر أنّ القيامة التي يتحدث عنها سلمان ليست بعيدة، بل داخلية، تخصه شخصياً. انهيار اللغة هو انهياره هو، والصدى الذي يتكرر في النص هو صدى صمته الخاص. وهذا ما يجعل الكتاب أكثر من تجربة شعرية: إنه مرآة وجودية تعكس هشاشة الإنسان في زمن مرتبك.

صيحة البابلي في النهاية كتاب لا يطمئن قارئه ولا يدّعي أن يقدّم إجابات. قوته تكمن في قدرته على زعزعة اليقين وفتح الجرح. إنه نص يليق بزمن لم يعد المعنى فيه مستقراً، ولا الكلمة قادرة على أن تعطي خلاصاً.

في هذه المغامرة، يضع مهدي سلمان نفسه ضمن تقليد شعري كبير، لكنه يذهب أبعد، فيجعل من القصيدة مكاناً للتفكير الفلسفي، ومختبراً لأسئلة الإنسان المعاصر. إنه نص يُقرأ ببطء، وربما يُعاد قراءته أكثر من مرة، لأنه في كل مرة يكشف وجهاً جديداً من وجوه العدم، ويعيد القارئ إلى صرخته الأولى: صيحة البابلي.